ترشيد الإنفاق .. نجم الميزانية

4306

فاطمة الأمين ونايف الراجحي - الإخبارية.نت 20 ديسمبر 2015

يترقب المواطنون اليوم، الإعلان الرسمي عن الميزانية العامة للدولة، إذ يحظى هذا الإعلان بأهمية كبيرة، خاصة أن الوضع الاقتصادي للمملكة واجه تحديات كبيرة خلال العام الماضي، من أبرزها الانخفاض في أسعار النفط.

واتفق خبيران اقتصاديان على سمة "ترشيد الإنفاق" للموازنة المزمع إعلانها اليوم، وشددا على ضرورة الابتعاد عن السياسات التوسعية أو الانكماشية.

ورأى العضو والخبير في معهد كينيدي بجامعة هارفارد الدكتور خالد السويلم، أن الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد ستكون مختلفة في طريقة الإعداد لها والصرف منها.

وأبدى الدكتور السويلم في هذا الصدد توقعه بأن يتم اعتماد نظام موازنة البرامج بدلاً من نظام موازنة البنود، والذي اعتادت وزارة المالية إعداد الموازنات العامة للدولة وفقاً له، ويرى أن خيار موازنة البرامج يعد الأفضل للفترة المقبلة لإدارة إيرادات الدولة ومصروفاتها.

وأشار في حديث مع  "الإخبارية. نت"، إلى أن التوجه الجديد لإعداد الموازنة يتوافق مع التوجهات الجديدة لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الهادفة ضمان إعداد أفضل للموازنة ومشاركة فاعلة من مختلف الأجهزة الحكومية.

واعتبر السويلم الذي شغل سابقاً منصب كبير المستشارين ومدير عام الاستثمار بمؤسسة النقد العربي السعودي، التوجه الجديد في إعداد الموازنة العامة للدولة "نقلة نوعية عن ما كانت تقوم به وزارة المالية في السابق في اختزال دور الأجهزة الحكومية الاخرى والانفراد بإعداد الموازنة والصرف منها".

وعن الأدوات التي استخدمتها المملكة لتقليص العجز المتوقع، قال مقبل السلمي، الباحث الاقتصادي، لـ"الإخبارية.نت": "هناك متغيران يتحكمان في حجم العجز، وهما الإيرادات والنفقات، وبما أن الإيرادات لا يمكن إدارتها على المدى القصير بسهولة، فإن الطريق الأقصر لتقليص العجز هو خفض الإنفاق، إلا أن المملكة لا تتخذ هذا الإجراء، وذلك لتحافظ على نموها الاقتصادي، ولكنها تقوم بترشيد الإنفاق، وذلك بخطط الإصلاح الاقتصادي التي شرعت في تنفيذها، هذا بالنسبة للعام المقبل".

وأضاف: "لكننا قد نشهد في السنوات المقبلة تنويعا للدخل كضريبة القيمة المضافة من جهة وتقليص للمصروفات من جهة أخرى كرفع الدعم عن بعض المنتجات. وهذا بدوره يزيد من الدخل ويقلل من النفقات، وهذا يعني خفض العجز في حال وجوده، أو تحقيق فوائض عند ارتفاع أسعار النفط".

وفيما إذا كانت المملكة ستنجح في استخدام الأدوات المتاحة لتقليص العجز المتوقع، أجاب السلمي: "بما أن المملكة لديها احتياطيات جيدة، فإن أمامها خيارين، إصدار سندات أو سحب من الاحتياطيات، ولكنني أفضل إصدار السندات، لثلاثة أسباب، أولها التصنيف الائتماني الجيد للمملكة الذي يمكنها من طرح سندات بعوائد منخفضة، وثانيها انخفاض معدل الدين الذي لا يتجاوز 2% إلى ما قبل طرح السندات حديثا، والسبب الثالث رفع معدل الدين العام حتى لا تفقد المملكة إحدى أهم السياسات النقدية وهي سياسة السوق المفتوحة، وإن كانت السياسة النقدية ليست بتلك الفاعلية مقارنةً بالسياسة المالية، إلا أن وجودها مهم".

وحول رفع الفائدة الأميركية وإلى أي مدى سيؤثر على موازنة 2016، أضاف السلمي لـ"الإخبارية.نت": "اهتم الإعلام خلال الأسبوع الماضي بقرار رفع الفائدة على الدولار، وفي الحقيقة لم يكن القرار مؤثرا لتلك الدرجة كون عملية الرفع تمت بواقع 25 نقطة أساس فقط، ولكن المهم هو السياسة النقدية لعام 2016 في أميركا، حيث صرح أحد مسؤولي البنك الفيدرالي بأن الفائدة ربما تشهد ثلاث عمليات رفع للفائدة، وإن كان ذلك مستبعدا إلا أن حدوثه سيكون له أثر حقيقي وملموس".

وأضاف: "بالنسبة لأثره على موازنة 2016 في المملكة، فلا أعتقد أنه سيؤثر لأن القرار، فضلا عن محدودية أثره، فهو قد صدر في وقت يتوقع فيه أن كثيرا من بنود الميزانية قد تم الانتهاء منها بالفعل ويتبقى إعلانها فقط. وبشأن سوق الأسهم وتوقعات المحللين أن يشهد تحسنا بعد الإعلان عن الميزانية، نظرا للمبالغة في الحذر التي تشهدها السوق حاليا".  ​

وعلق السلمي: "هناك مبالغة في التخوف من عجز الموازنة، فالمملكة مهما بلغت أسعار النفط لن تغامر بخفض الإنفاق للدرجة التي يمكن أن تؤثر على نموها الاقتصادي. والسوق المالية تتأثر بشكل أكبر بالإنفاق العام، وليس بمقدار العجز، ومن ثم فإن إعلان الميزانية سيبدد كثيرا من هذه المخاوف وهو ما يتوقع أن ينعكس إيجابا على السوق المالية، خصوصا مع وصول الأسعار إلى مناطقمغرية استثماريا".​

كان البنك الدولي قد نبه في نتائج مشاورات المادة الرابعة مع المملكة للعام 2015 الصادرة في 29 يوليو الماضي، إلى أن الهبوط الحاد في الإيرادات النفطية واستمرار نمو النفقات يمكن أن يسفرا عن عجز شديد في المالية العامة هذا العام وعلى المدى المتوسط.

وتوقع البنك في حينه أن تسجل مالية المملكة عجزاً قدره 19.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2015 نتيجة الانخفاض الكبير في أسعار النفط، وأن يظل العجز مرتفعاً على المدى المتوسط على رغم انخفاضه المتوقع في العام 2016 وما بعده، مع انتهاء الإنفاق على البنود غير المتكررة واستكمال المشروعات الاستثمارية الكبرى.

وشدد على الحاجة إلى إجراء تصحيح تدريجي، ولكنه كبير في أوضاع المالية العامة على مدار سنوات عدة، باستخدام مزيج من التدابير على جانبي الإيرادات والنفقات.

ودعا البنك إلى وضع الموازنة العامة للدولة بناء على خطط  متوسطة الأجل بدلاً من الأُطر المالية قصيرة الأجل المعمول بها سابقاً يحدد بوضوح ويغطي كل أولويات الإنفاق الحكومي، ويحقق الفصل بين النفقات والإيرادات النفطية المتقلبة على المدى القصير.

ولجأت الحكومة السعودية في الأشهر الماضية إلى السحب بكثافة لتمويل الزيادة في المصروفات من احتياطاتها لدى مؤسسة النقد العربي السعودي، كما عادت إلى طرح عدة إصدارات لسندات الدين في الأسواق المالية بعد انقطاع طويل.

حيال ذلك، يعود الدكتور السويلم ليؤكد أن التحدي الاول والأساسي الذي يواجهه صانع القرار الاقتصادي والمالي في المملكة، لمعالجة الاعتماد الكبير على دخل النفط، يكمن في المقام الاول في إيجاد مصدر آخر لدخل الدولة من العملة الصعبة أو الدولار، يكون موازياً ومكملاً لدخل النفط لتغطية الاحتياجات المستقبلية  للدولة.

ونبه إلى أنه في الوضع الحالي يكاد يكون دخل الدولة من العملة الصعبة مقتصراً على دخل  فقط، مبيناً أن الإيرادات الاخرى بالعملة المحلية أو الاقتراض بالريال "لا تؤدي نفس الغرض"، مرجعاً ذلك إلى أن تلك الإيرادات تستنزف عند الصرف احتياطيات الدولة من العملة الاجنبية لدى مؤسسة النقد، بما يعادل المبلغ المصروف بالريال. مضيفاً: "من هنا تأتي أهمية الاستثمارات الخارجية أو الصندوق السيادي كمصدر مهم لإيرادات الدولة من العملة الصعبة".

وأشار إلى أن الأمل كبير في أن يكون التوجه لتفعيل الاستثمارات الخارجية أو إنشاء صندوق سيادي للدولة هو التوجه الحالي لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لاسيما بعد الإصلاحات الاخيرة التي تمت بنقل الصناديق الاستثمارية الحكومية من الجمود الذي كانت تعاني منه لسنين طويلة في وزارة المالية لتكون الآن تحت النظر المباشر للقيادة، لتطويرها بما يخدم المصالح العليا للدولة والأمن الاقتصادي للمملكة.

وكان علماء اقتصاديين في معهد كينيدي بجامعة هارفارد، ساهموا في دراسة لرسم سياسة مالية فاعلة للمملكة، أكدت أهمية إنشاء صندوق سيادي في فصل المصروفات عن دخل النفط وتحقيق دخل دائم من دون الاعتماد على دخل النفط.

ودعت الدراسة إلى تخصيص 20 في المئة من الدخل السنوي للدولة خلال الفترة من 2015 إلى 2035، وأكد المشاركين في إعدادها أنه "لو تم ذلك قد تستطيع المملكة خلال تلك الفترة أن تبني احتياطات عالية ذات دخل مرتفع، تكون كافية لفصل الموازنة عن دخل النفط".

وبالعودة إلى توصيات البنك الدولي الخاصة بمشاورات المادة الرابعة مع المملكة، يرى البنك أنه ينبغي اتخاذ العديد من التدابير المهمة لضبط المالية العامة للدولة، تشمل إجراء إصلاحات شاملة في أسعار الطاقة، وإحكام السيطرة على فاتورة الأجور في القطاع العام، ورفع كفاءة استثمارات القطاع العام، وتوسيع نطاق الإيرادات غير النفطية، بوسائل تتضمن استحداث ضريبة على القيمة المضافة، وضريبة على الأراضي. كما اعتبر البنك أن إصدار سندات دين لتمويل جانب من العجز يعتبر إجراءً ملائماً من شأنه المساعدة في تشجيع تطور الأسواق الرأسمالية الخاصة.

التعليقات