الأديب السعودي صالح الأشقر يترجَّل .. مخلفاً إرثاً ثقافياً راقياً

2688

14 يناير 2017

انتقل الأديب والكاتب والقاص السعودي، صالح بن عبدالله الأشقر اليوم، إلى رحمة الله، بعد وعكة صحية وصفت بالشديدة، أصيب بها ورقد على إثرها في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ثم انتقل للعلاج خارج المملكة على نفقة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ويعد الأشقر من كتاب القصة المعروفين والمرموقين في المملكة، وقد صدرت له العديد من المجموعات القصصية مثل "ضجيج الأبواب" و"ظل البيت"، وعدد من المقالات الصحفية، وتميز إنتاجه القصصي بالرصانة والجزالة والرقي والعمق الاجتماعي والتحليلي.

وقد تفاعل محبو ومتابعو الأديب الراحل صالح الأشقر، مع خبر وفاته وتناقلوه، داعين الله أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، مؤكدين أنه كان علماً في الساحة الأدبية والثقافية على مستوى المملكة والوطن العربي، وقد خلف إرثاً ثقافياً راقياً وجزلاً ويتسم بالفصاحة والعمق والقرب من القارئ والمتلقي.

من هو ”الأشقر”

هو الكاتب المبدع صالح عبدالله الأشقر، أحد رواد القصة القصيرة بالمملكة، وصاحب الأسلوب القصصي الجزل والسلس في آن واحد، ولد عام 1951 في مدينة حائل، وتخرج في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة الملك سعود، عمل في الصحافة المحلية في بداية الثمانينيات، وأصدر مجموعتين قصصيتين هما "ضجيج الأبواب" عام 1989، و"ظل البيت" عام 2008.ن ولديه مجموعة قصصية ثالثة جاهزة للطبع هي "تكوين" كما اشتغل خلال فترة من حياته في الفن التشكيلي.

الطفل والبحر

للأديب والقاص صالح الأشقر العديد من القصص القصيرة، إحداها تحمل عنوان "الطفل الذي رأى البحر" يقول فيها: "في لحظة واحدة انفتح فمه واتسعت عيناه بشدة، فالذي يراه الآن لم يره في حياته أبداً، شيء مخيف وفاتن، ساكن وصاخب، قريب وبعيد، سافر وغامض، لامع ومعتم، إنه شيء عصي على الفهم، وفوق حدود خياله المسقوف، اقترب بتؤدة ودس ببطء أطراف أصابع قدمه اليمنى، ارتفع وجيف قلبه وانغلقت عيناه وعض شفته السفلى، كان الماء بارداً والشمس تنغمس في السماء، اقترب أكثر بعد أن أطلق بصره وتلفت حوله ورأى بين يديه الجهات الأربع، وبسرعة كخطف البصر نزع ثوب السفر الجديد وقادته فتنة الماء، جلس عند حافة الرمل الرقيق والماء ينساب الهوينا، ويصعد حتى الخاصرة ثم ينقلب تاركاً للهواء وقتاً ليمر فوق ساقيه، وتنبت حبيبات تتسلق جسده وتثير في قلبه رعشة باردة ومغرية، دسّ يديه الصغيرتين، وملأ راحتيه وضمهما إلى بعضهما، ثم طيّر الماء إلى وجهه وأصابته نوبة من الفرح السعيد، أخذ يضرب صفحة الماء فينفلت من الأرض ويطير في الهواء ثم يسّاقط بارداً على جسده القابع في بهجته والساكن في عريه والمأخوذ بصخبه وطفولته".

قصة رحلة

ومن قصصه المعبرة قصة "رحلة" التي يقول فيها: "أنا كنت مملوءاً بالسأم والموت، وكان الوقت ثقيلاً عاتياً وشديد الوطأة، لم يكن ثمة ما يجلب الحياة والبهجة، كل ما حولي كان داكناً ومعتماً، عشرات الأشباح تتقاتل أمامي بوحشية خارقة، وأنا مسلوب الإرادة والتفكير، كل واحد يغرز نظراته في عيني ويتمنى أن ينفرد بالضحية، ولم أكن أملك غير أن أتمنى أن أغيب إلى الأبد، أو أفقد عقلي، أنسى أنني هنا بلا فائدة وبلا عمل، أو أتلاشى حثيثا، أو أتحول إلى نتف صغيرة لا ترى، كنت معزولاً وغارقاً في يأس طويل وطاعن، تمنيت أن تنفتح ذاكرتي على الماضي، وتنتزعني من هذا السأم، لم يعد يهمني وقتها ماذا يمكن أن يخرج من ذاكرتي، المهم أن أنسى أنني هنا، ليتني أتذكر حتى ذلك اليوم الذي تمرغت فيه في الفراغ، يوم أن وجدت نفسي فارغاً من رأسي حتى أخمص قدمي، وحين كنت مسكوناً بالخواء، ومملوءاً بالضياع، أو ليتني أتذكر أيام التعاسة والألم والخطيئة والفساد، وأنسى أنني هنا مصاب بالسأم والموت والهزيمة، وكان علي أن أستسلم".

قصة مرايا

وفي قصة ساخرة بعنوان "مرايا" يقول: "ارتديت ملابس امرأة وتزينت، صبغت وجهي وكحلت عيني واتجهت صوب سوق الذهب في المدينة، كنت أحلم أن يتبعني واحد رائحة عطره تملأ السوق ويهمس قرب أذني كلاما عذبا ورقيقا، كأن يقول أنت جميلة، عيناك ساحرتان، لكن السوق كان خاليا من غير النساء المأخوذات ببريق الذهب الآسر, وحين مشيت بين ممراته المتعرجة صدقت نفسي بأني امرأة، ودخلت محلا مزدحما بالنساء, أنواره ساطعة، عرض البائع الأنيق جدا أشكالا من الذهب الجميل والبراق الذي يخطف البصر، ولم أستطع مقاومة الإغراء فاشتريت قلادة، ومضيت وأنا امرأة ذهبية، ونسيت من أنا".

قصة القارورة

ومما جاء في قصة "القارورة" قوله: "جلبت شقيقتي صورتها، وجهها مستدير وصغير, وفي عينيها ظل غامض وخفي ينم عن خوف أو دهشة، كانت طفلة مهيأة لتصبح زوجة وحسب، هكذا هو قدرها المجهول ومستقبلها الغامض، ومنذ أن علمت بأن دورها بدأ يقترب, حتى أخذت تنتابها حالات من الاضطراب والحزن والعزلة والهياج الليلي، كانت إذا هدها التعب اليومي تصعد إلى غرفتها وترمي جسدها المنهوك وروحها الخائرة فوق السرير, وتنتحب بصوت خفيض، إذا طرق باب المنزل وسمعت أصواتا غريبة وهمسات متبادلة, تجتاحها حالة الهياج وعدم الاستقرار، تارة تصعد إلى غرفتها وتارة تختفي في حجرة علوية مهجورة, وربما تدخل إلى الحمام وتتمدد تحت الماء لوقت طويل، أصبحت ترتاب من كل الزيارات والمواعيد المقررة سلفا، كل زائرة أو ضيف قد يحمل بين يديه تفاصيل حياتها المقبلة".

المصدر: 
رضوان بكري "الإخبارية.نت"

التعليقات