الموصل.. الفرار من الموت إلى الموت !!

4722

21 مارس 2017

يبدو أنه لا سبيل أمام أهالي الجانب الغربي من مدينة الموصل العراقية شمال العاصمة بغداد سوى الفرار إلى العراء، وسط ظروف إنسانية مروعة، هربا من جحيم الحرب التي تشهدها مناطقهم بين القوات العراقية وتنظيم داعش الإرهابي الذي يتشبث بآخر حصونه في الموصل، مركز محافظة نينوى، حيث تعج الأحياء السكنية، بمدنيين باتوا ضحايا معارك ضارية لمسلحو "داعش" الإرهابي الذين يسعون إلى الحفاظ على آخر موطئ قدم لهم في المدينة.

المدنيون، الذين يعيشون داخل المدينة أو الفارين عنها، يعانون أوضاعا مأساوية، فلا غذاء ولا دواء ولا ماء كاف، وسط موجة طقس باردة تجتاح المنطقة، فالموت خيار محتم عليهم إما من التنظيم الإرهابي أو من البحث عن ملاذ آمن ومطعم وسط حطام خلفته الحروب، وتحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة تتحرك الحكومة العراقية والمجتمع الدولي بسرعة.

مشهد مرعب

في قرية "البوسيف" جنوب الموصل البالغ عدد سكانها قرابة 1.5 مليون نسمة، والتي تعد ثاني أكثر مدن العراق سكانا بعد بغداد، ونقطة التقاء الفارين من المناطق السكنية في الجانب الغربي من المدينة للتوجه نحو مخيمات النزوح في العراء كان مشهد الفارين مرعبا وهم جياع وعراة وحفاة.

ويصف أحد السكان المحليين المشهد المرعب ويقول: "وجوه الفارين صفراء من الخوف تبحث عن بصيص أمل، وأجسادهم نحيلة من سوء التغذية تصارع للنجاة خارج المدينة".

ويتحدث محمد أبو عمر أحد المدنيين النازحين من الموصلعن أوضاع المدنين في الموصل قائلا: "كنت أسير بخطوات متسارعة، حاملا حقيبتي التي جمعت بها ما تمكنت من حمله قبل فراري من منزل في منطقة العكيدات جنوبي المدينة، وتوجهت إلى خارج المدينة حيث المصير المجهول".

وحول المشهد الذي يجسد حجم الألم الذي مر أبو عمر وعائلته يذكر أن أثناء هروبه كان يقبض بكفه اليمنى على يد ابنه عمر، الذي لم يتجاوز ربيعه الثامن، وخلفه زوجته تحمل ابنتهما عائشة ذات الخمسة أعوام.

أبو عمر بدأ الحديث عن آخر ما شاهده قبيل فرصة الحياة من الموت على يد الإرهابيين الذين اجتاحوا المدينة بقوله: "الموصل تحترق.. ألسنة النيران وأعمدة الدخان تتصاعد من كل مكان.. عويل النساء وبكاء الأطفال وصرخات الرجال وأنين كبار السن يهز الأرجاء، والجثث تملأ الشوارع، والمنازل المهدمة والأنقاض متناثرة تكاد تجعل المرور من الأزقة مستحيلا".

وعن مسيرة الفرار التي توجت بالحياة وسط آلاف الموتى يذكر أبو عمر أنه توقف عن السير بعد وصوله لملاذ يظن أنه آمن، وأنزل حقيبته من كتفه، وقال بصوت مرتفع بينما الدموع تنهمر من عينيه: "خسرنا كل شيء كل شيء.. الأهل والأصدقاء والأحباب.. أصبحنا مشردين نبحث عن مأوى يقينا من المطر وأغطية تعيد إلى أجسادنا الدفء".

وبعد أن أنهى هذه الجمل انخرط أبو عمر في نوبة بكاء حادة جعلت أفراد أسرته والمارة من حوله يبدأون بالبكاء، ويستنجدون لإنقاذهم من المعاناة، ويتساءلون عن ذنبهم فيما يحدث للموصل منذ سيطر عليها التنظيم الإرهابي "داعش" قبل نحو ثلاث سنوات.

عائلة أم وسام

طوابير الفارين من المدينة على مد البصر، فأينما تدير ناظريك تجد أطفالا ونساء وشبابا وكبار سن يتحدثون عما حل بهم من ويلات، ويحملون الحكومات المتعاقبة المركزية والمحلية المسؤولية.

وسط تساقط الأمطار أصبح السير في المناطق الترابية صعب للغاية إذ تحولت إلى برك طينية ما جعل المهمة شاقة على المدنيين، الذين عليهم السير لمسافة تزيد عن 3 كم لإيجاد سيارة عسكرية تقلهم الى أقرب مخيم للنزوح على تخوم ناحية حمام العليل جنوب المدينة، التي تشن القوات العراقية، بإسناد من التحالف الدولي، منذ 17 أكتوبر ، عملية عسكرية لاستعادتها من "داعش".

وأضاف باحث آخر رأيت امرأة في منتصف عقدها الخامس كانت منعزلة عن طوابير النازحين تقف وحدها وكأنها شبح شاحب على مرتفع من الأرض وتوجه نظرها نحو الموصل.

وبشأن عدم إكمالها المسير إلى مخيمات النازحين: قالت  "لا أستطيع، فقد فقدت ابني الوحيد وسام وزوجته وأطفاله الثلاثة أثناء النزوح ولا أعرف مصيرهم، فأنتظر هنا منذ أكثر من 7 ساعات، وأفتش في وجوه النازحين بحثا عن من فقدتهم".

أم وسام أوضحت أن حي "النبي شيت" الذي كانوا يقطنونه شهد معارك قوية جدا بين القوات العراقية و"داعش"، وأن الكثير من المنازل انهارت بفعل السيارات المفخخة التي دفع بها مسلحو التنظيم لإعاقة تقدم القوات, ما أضطر السكان إلى ترك منازلهم خوفا من انهيارها على رؤوسهم.

وأضافت أنه أثناء نزوحهم، وعندما كانت تتقدم عائلتها حاملة راية بيضاء، حدثت مواجهات مسلحة بالقرب منها، فاضطرت إلى الهرب والاختباء في أحد الدور السكنية، وعند هدوء الوضع بعد أكثر من ساعتين، اكتشفت أنها وحدها دون عائلتها، لتبحث عنهم هنا وهناك دون جدوى، إلى أن نصحها فارون مثلها بالفرار خارج الموصل، على أمل أن تجد من فقدتهم.

أم وسام قالت إنها لم تتناول رغيف الخبر منذ قرابة خمسة أيام، وتعيش على الماء والتمر، وإنها فقدت أدويتها الخاصة بمرض القلب والضغط والسكر خلال فرارها من جحيم الحرب، التي تسببت بفقدانها زوجها في غارة جوية، منتصف 2016، استهدفت مقرا لـ"داعش" قرب محله لبيع إطارات السيارات في منطقة الموصل الجديدة جنوبي المدينة.

لكن كل هذا ليس مهما, فالمهم بالنسبة إلى أم وسام هو أن تجد ابنها وعائلته سالمين، فهم آخر أمل لها في الحياة، رافضة التحرك من مكانها إلا بعد أن تجدهم أو تحصل على معلومة عنهم.

جثث على الطرقات

أما أبو حمدان، البالغ من العمر قرابة 60 عاما، لم يفضل النجاة بنفسه فقط من المدينة دون قطيع الماشية الذي يملكه، فاصطحبه معه، وتوجه به نحو العراء، على أمل إيجاد مأوى يتوفر فيه الأمن والقليل من الماء والغذاء.

وعما واجهه خلال النزوح، تحدث أبو حمدان قائلا "أصوات الإطلاقات النارية كانت تنبعث من كل مكان في منطقة حي العامل (جنوبي الموصل)، والقصف الجوي والمدفعي يطال كل شيء، سواء كان يتحرك أو ثابت, ما دفعني إلى النزوح بعد أن شاهدت مئات المدنيين ينزحون".

المواطن العراقي قرر أخذ قطيع الماشية معه خشية أن يفقده كما حدث سابقا عندما اضطر إلى النزوح، في 8 يونيو 2014، وترك وراءه أكثر من 150 رأس غنم وماعز، ليعود بعد انتهاء الاحداث، ويكتشف أن قطيعه بأكمله تعرض إلى السرقة.

أضاف أبو حمدان أنه شاهد خلال رحلة فراره عشرات الجثث لمدنيين ومسلحين وقوات أمنية ملقاة على الطرقات، البعض منها مضى على وجوده أكثر من أسبوع، فبدت عليها علامات التفسخ كالانتفاخ، مشددا على أن الفارين لا يعرفون ماذا يفعلون ولا إلى أين يتجهون، ولا توجد أية جهة رسمية ترشد المدنيين إلى الطريق الآمن.

وقبل أن يكمل مسيرته نحو مخيمات النزوح، أشار بعصاه، التي يهش بها على غنمه، قائلا إنه سيعود الى المدينة بعد أن تنطفئ نيران الحرب فيها، ويمارس عمله من جديد، ويبنى ما دمرته المعارك.

آلاف القصص الإنسانية

وأكد الباحثون أن على مشارف قرية "البوسيف" جنوب الموصل تمر سيارات عسكرية قادمة من داخل المدينة أو متجهة نحوها لنقل جرحى أو مؤن وامدادات إلى الجنود.

وأن "القوات العراقية منشغلة بالعمليات ضد داعش، الذي يقاتل بشراسة لإعاقة تقدم القوات ولو لمتر واحد، وهو ما يؤثر على المدنيين العزل الذين يتواجدن في كل شبر داخل المدينة ذو البناء المعماري المتهالك".

و"توجد آلاف القصص الإنسانية في الشطر الغربي للموصل، لكن القوات لا يمكنها أن تنقذ كل الحالات فداعش لا يرحم من ينزل فوهة بندقيته وينشغل بأمر آخر، مهما كان مهما أو انسانيا".

حالة الطواريء القصوى

وأكد سيف الوردان الناشط في مجال حقوق الإنسان، مسؤولية انهيار الوضع الإنساني للعائلات الفارة من الموصل أو التي لا تزال داخلها إلى الحكومتين المركزية في بغداد والمحلية في نينوى.

وأضاف الوردان أن "المنظمات الإنسانية وبعض الحملات الشعبية هي التي تساعد الفارين وتعمل على توفير جزء من احتياجاتهم.. الأزمة كبيرة جدا ولا يمكن لجهد فردي حلها، ما يتطلب من الحكومة المركزية بغداد والمجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان الإسراع بالتوجه نحو الموصل وإعلان حالة الطوارئ القصوى، لمنع وقوع كارثة إنسانية بحق الأبرياء".

وأوضح أن "الأمراض الوبائية، مثل الكوليرا، باتت تنتشر بين المدنيين في الجانب الأيمن الغربي للموصل بسبب انعدام المياه الصالحة للشرب، وانعدام الغذاء الصحي، واعتماد السكان على مياه الأمطار والصرف الصحي من أجل أرواء عطشهم وعلى ما يجدون في القمامة لسد جوعهم".

وختم بأن "النازحين ليسوا أفضل حالا، فهم يعانون من نقص الأغطية والخيام اللازمة لوقايتهم من برد الشتاء وأمطاره وعواصفه، وقد بدأت أمراض الصدر والبطن تفتك بهم وتنتشر بين الأطفال والنساء، وتهددهم بالموت".

وقبل انطلاق عمليات تحرير الجانب الغربي من الموصل، في 19 فبراير كان يعيش فيه نحو 800 ألف مدني نزح منهم، حسب وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، أكثر من 150 ألفا.

بين هؤلاء النازحين واصلت العائلات، من أطفال ونساء وكبار السن، السير في الطريق الموحل للوصول إلى السيارات التي ستقلهم إلى المخيمات، فيما بقيت عينا أم وسام شاخصتان على المارة لعلها تعثر على آخر من تبقى لها في الحياة.

المصدر: 
خالد الشربيني - الإخبارية نت

التعليقات