من القذافي إلى تميم.. قصة فشل مساعي تسييس الحج

2188 0

22 أغسطس 2017

التاريخ ينفي مزاعم تسييس الحج، فعلى مدار ما يقارب 4 عقود من الزمان فشلت كل محاولات تسييس الحج، والتي تروج لها دائماً الدول الداعمة والراعية للإرهاب، وفشلت معها محاولة تفتيت المملكة عن طريق خلق منطقة إسلامية مستقلة تحت إدارة دولية، فما أشبه الليلة بالبارحة، فبينما طرحت إيران العام الماضي مقترح تشكيل لجنة دولية للإشراف على الأراضي المقدسة بداعي عدم قدرة السعودية على تنظيم شعائر الحج سنوياً، اتهمت قطر المملكة - هذا العام -  بأنها تُسيِّس الحج وتستخدم الشعائر المقدسة لتحقيق أهداف سياسية، وكأن الدولتان تسيران على نفس خطى القذافي الذي طالب بتكوين "فاتيكان إسلامية" على الأراضي السعودية.

كانت الإدارات المتعاقبة من أبناء الملك الراحل موحد المملكة عبد العزيز آل سعود تتعامل دائماً بحكمة وحنكة وسعة صدر مع دعوات تسييس الشعائر الدينية والترويج لأفكار طائفية تحدث انشقاقات تعكر صفو الحج، فكانت دائماً ما تفصل بين رغبات الشعوب وبين توجهات الحكام في هذه الدول، خاصة وأنها دائماً ما تقع تحت طائلة العقوبات الدولية الإقليمية والعالمية بسبب دعمها للإرهاب وتمويله ورعايتها للحوادث الإرهابية على مستوي العالم، فما فشلت فيه ليبيا وإيران مسبقاُ، تحاول قطر إنفاذه مؤخراً وتفشل فيه أيضاً لتبقى المملكة وجهة المسلمين.   

 

قذافي الخليج

وتقمص حاكم قطر تميم بن حمد دور القذافي، وحاولت دولة الحمدين استخدام مقاطعة الدول العربية الأربع لها، في الترويج لشائعة تدويل وتسييس قضية الحج، بداعي منع حجاجها من أداء مناسك الحج والعمرة، لسحب الأنظار بعيداً عن سياساتها في دعم الإرهاب، وقدمت اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان شكوى إلى الأمم المتحدة، خاطبت فيها المقرر الخاص المعني بحرية الدين والعقيدة، مبدية "قلقها الشديد إزاء تسييس الشعائر الدينية واستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية"، على حد وصف البيان الذي نشرته وكالة الأنباء القطرية.

الرد السعودي كان بالقرار الإنساني الذي اتخذه الملك سلمان بن عبد العزيز باستضافة الحجاج القطريين على حسابه الخاص، وتوفير كامل الرعاية لهم، وأن تخصص لهم أماكن محددة في المشاعر، وخصص رقم موحد لتذليل أية صعوبات يواجهونها، وطائرات سعودية تنقلهم من الدوحة إلى المملكة.

 

بداية التسييس

عام 1979 أعلن، الخميني، المرشد الأول للثورة الإيرانية، عند استلامه السلطة "البراءة" كشعيرة من شعائر الحج، ويقصد بذلك إجراء مراسم "البراءة من المشركين" من قبل الحجاج الإيرانيين، واعتبرها وصية واجبة النفاذ، فيما دعا المرشد الإيراني خامنئي إلى تنفيذ وصية الخميني، والتي تنص على أنه "لا معنى للحج من دون البراءة"، وفسر الخميني الأمر قائلاً "إن البعد السياسي لهذه المناسك العظيمة من أكثر الأبعاد المهجورة".

في المقابل قال رجل الدين الإيراني آية الله جلال كنجئي إن "نظام الملالي يستغل الحج لأهداف متعددة وأهداف دعائية والتقاط فرائس من شبان المسلمين ليستغلّهم كخلايا للتجسس والإرهاب".

المملكة بدورها أعلنت رفضها الحازم إدخال مراسم وطقوس خارجة عن مناسك الحج، ورفضت شروطاً إيرانية من شأنها أن تؤدي إلى إحداث انشقاقات طائفية ومذهبية تعكر صفو الحج.

 

كوارث إيرانية

عام 1986 كشف موظفو الأمن والجمارك السعوديين 51 كيلوغراما من مادة C4 شديدة الانفجار دستها المخابرات الإيرانية في حقائب حجاجها لاستخدامها في تفجير في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة.

وعام 1987 حرضت السلطات الإيرانية مجموعة من حجاجها لتنظيم مظاهرة غير مرخصة، يمارسون فيها مراسم "البراءة" ورفع لافتات وشعارات سياسية، واشتبكوا مع الأمن السعودي، مما نتج عنه مقتل 402 شخص، منهم 275 حاجاً إيرانياً، و42 حاجاً من جنسيات أخرى، و85 رجل أمن سعودي، فضلا عن إصابة 649 شخصا (303 من الإيرانيين و145 من السعوديين و201 حاج من بلدان أخرى).

في موسم حج عام 1989 وقع انفجاران بجوار الحرم المكي نتج عنه وفاة شخص وإصابة 16 آخرين، تسلم الجناة المواد المتفجرة عن طريق دبلوماسيين إيرانيين، وتمت محاكمتهم والقصاص منهم.

في موسم حج عام 1990 وقعت حادثة نفق معيصم الشهيرة في يوم عيد الأضحى، نتيجة تدافع الحجاج والزحام بينهم، وبرغم اتهام بعض الأطراف الإيرانيين بإطلاق غازات سامة أدت إلى وفاة 1426 حاجاً من مختلف الجنسيات، فإن السلطات السعودية حينها لم تتهم أحداً، وقالت إنه مجرد "حادث عرضي".

موسم حج 2015 حدث تدافع منى، والتي نتج عنها مقتل نحو 2300 حاج أجنبي، بينهم 464 إيرانياً، وهي أسوأ أزمة وقعت في مواسم الحج بعد أحداث 1987، وتورط بها عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين الذين توفي بعضهم أثناء حادثة التدافع وكانوا قد دخلوا موسم الحج دون جوازات دبلوماسية، ووصل عددهم الإجمالي إلى 16 شخصية أمنية وعسكرية ودبلوماسية، بينهم سفير إيران السابق بلبنان غضنفر ركن أبادي، والجنرال علي أصغر فولاد غر الضابط في جهاز استخبارات الحرس الثوري، ونائب رئيس جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري للحروب النفسية عبد الله ضيغمي واسمه الرمزي "الجنرال مشفق".

فى موسم 2016 رفض وفد منظمة الحج والزيارة الإيرانية التوقيع على محضر إنهاء ترتيبات حج الإيرانيين لهذا العام، وأعلنت إيران مقاطعتها موسم الحج ومنعت حجاجها، واتهمت المملكة بعدم القدرة على ضمان سلامة الحجاج، وطالبت بوجود لجنة دولية للإشراف على الحج.

رد المملكة كان عن طريق فتح أبوابها أمام الإيرانيين القادمين إلى مكة من كل أنحاء العالم، ومُنحت التأشيرات لهم من خلال السفارات السعودية المنتشرة في أنحاء المعمورة.

 

ليبيا

1980 حث الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي المسلمين الى عدم القيام برحلة الحج إلى السعودية، واصفاً المملكة بأنها تحت الاحتلال.

وكان القذافي من أوائل من دعوا لـ"تدويل الحج"، وضرورة نزع مسؤولية إدارته من يد السعودية، داعياً إلى تأسيس "فاتيكان إسلامية" في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ووضع الأراضي المقدسة هناك تحت وصاية هيئة إسلامية.

وفى التسعينات لم تمنع المملكة الحجاج الليبيين من القدوم للحج، حين كانت ليبيا محاصرة جوياً تحت حكم معمر القذافي بسبب أزمة طائرة "لوكيربي الشهيرة"، رغم الكشف عن إرسال مخابرات القذافي متفجرات في حقائب بعض الحجاج قبل يومين من الوقوف بعرفات.

ومع كل هذا كانت ردة فعل المملكة مثالية حضارية، حين أرسل الملك فهد مبعوثاً خاصاً للقذافي، وقال له ما معناه: رغم ما فعلت لن نمنع حجاج ليبيا".

التعليقات

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA

This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.