الأمريكيون والروس يجتمعون في الفضاء و يفترقون على الأرض

595 0

يسرا العسيري - الإخبارية.نت 06 مارس 2016

مهمة «عام في الفضاء» هي بعثة علمية فضائية مقرها «محطة الفضاء الدولية ISS»، تهدف لدعم أبحاث علمية تستند إلى دراسة التأثيرات التي قد يتركها المكوث لفترة طويلة في الفضاء على الإنسان من عدة نواح، منها التغييرات السلوكية والتغييرات في التصرفات الظاهرة والرؤية ووظائف الجسد الحيوية، والقدرة على الاستيعاب العقلي والجسدي للبيئة المحيطة.

وبالطبع لم يغفل القائمون على هذا المشروع في محطة الفضاء الدولية المخاطر المحتملة، لذا حرصوا على توفير كل ما يمكن لسلامة رواد الفضاء، منها أجهزة الرياضة حتى لا يصاب أعضاء الطاقم بالضمور العضلي كونهم في بيئة تبعد عن تأثير الجاذبية، وهذا أمر في غاية الأهمية نظرا لأن المكوث في بيئة ينعدم فيها وزن الجسم يؤدي إلى تجمع سوائل الجسم في النصف الأعلى منه مؤديا إلى حالة «استسقاء» أو تورم في الوجه.

كما طلب من رواد الفضاء على متن هذه الرحلة كتابة مدونة مما يتيح للدراسات العلمية فيما بعد معرفة الآثار النفسية التي تعرضوا لها أثناء وجودهم في الفضاء.

 

الشروع بالمهمة

 

خلال شهر نوفمبر لعام 2012 اختارت كل من «ناسا» الأمريكية ووكالة روسيا الفيدرالية الفضائية رائد الفضاء الأمريكي سكوت كيلي، ورائد الفضاء الروسي ميخائيل كورنينكو، لقضاء عام في الفضاء بداية من الانطلاق على متن مركبة «Soyuz TMA 16M» من أراضي كازاخستان.

كانت هذه الانطلاقة إلى الفضاء خلال شهر مارس من عام 2015، وبنجاح عاد الفريق سالما في الثاني من شهر مارس للعام الحالي إلى الأرض على متن «Soyuz TMA 18M»، في مدينة دزيزكازغان في كازاخستان - وفقا لمصادر رسمية تابعة لوكالة "ناسا" الأمريكية، مما أحدث استقبالا عالميا حافلا لهم ولإنجازاتهم في سبيل التقدم العلمي.

بعد عودتهم إلى الأرض، وسط ترحيب بمشاعر الفرح والفخر، شعر كل من سكوت وميخائيل بفرح شديد، كونهم على سطح الأرض، حيث قال سكوت كيلي، الذي يعد اليوم أول أمريكي يقضي عاما في الفضاء: «أصعب شيء هو الشعور بأنك معزول جسديا عن الأشخاص المقربين منك على الأرض».

وأضاف كيلي خلال مؤتمر صحافي عقده مؤخرا: «التأقلم مع الفضاء أسهل بالنسبة لي من التأقلم مع الأرض مجددا»، معبرا عن الحالة الجسدية التي مر بها، حيث يقول إن هناك دائما شعور بالتعب والألم في الجسم خلال المكوث في الفضاء، مشيرا إلى أن حساسية جلده يبدو أنها تضاعفت فور عودته إلى الأرض، كما أنه يشعر بوخز أو ألم شبيه بالحرق عند محاولته الجلوس أو الاستلقاء أو مجرد المشي.

وبعيدا عن المشكلات الجسدية، لفت إلى أنه لم يعد بنفس مهارته في لعب كرة السلة، حيث يصرح الكثير منهم فور عودتهم إلى الأرض بأنهم يوقعون الكثير من الأشياء ويفقدون مهارات معينة كالتسديد.

كما أضاف كيلي أن طوله زاد بما يقارب 1.5 انشات خلال مكوثه في الفضاء، ولكن بعد عودته إلى الأرض عاد إلى طوله الطبيعي. وهذا تأثير مثبت علميا في الدراسات العلمية المتعلقة بالفضاء، فالعمود الفقري يتمدد كونه في بيئة ينعدم فيها ثقل الجسم ويعود إلى طوله الطبيعي بعد وقوف الجسم عموديا على سطح الأرض، حيث تبدأ الجاذبية في التأثير عليه.

يجري العلماء والباحثون عددا من الاختبارات على كل من كيلي وميخائيل كورنينكو للكشف عن التغييرات التي طرأت على سوائل الجسم والعين والجينات والعوامل النفسية لديهما.

بعد عودته إلى الأرض نشر كيلي صورة على حسابه بموقع «تويتر» لطبق من السلطة قائلا: «أول طبق سلطة لي منذ عودتي إلى الأرض»، وحظيت الصور على كثير من التفاعل في الوسط الاجتماعي على الموقع.

كما قال خلال إحدى المقابلات: «أطرف ما في الرحلات الفضائية الطويلة هو عدم وجود مكان الاستحمام على متن المركبة، الأمر أشبه بالتخييم في غابة لمدة عام كامل».

يذكر أن كيلي لديه أخ توأم يدعى مارك كيلي، وهو رائد فضاء متقاعد، وهو الأمر الذي يساعد الاختبارات والدراسات العلمية، حيث تتم مطابقة الحمض النووي للشقيقين والكشف عن أي تغييرات حدثت لسكوت كيلي. أما الروسي ميخائيل كورنينكو فصرح: «سكوت لديه شخصية رائعة وهو متميز بمجاله،  فخلال هذا العام لم نواجه أي صراعات ولم نشعر قط بالرغبة في الابتعاد عن بعضنا البعض».

وخلال أول مقابلة مع ميخائيل صرح بأنهما بمجرد هبوطهما على الأرض، أخذ كل منهما اتجاها مختلفا، حيث اتجه كيلي إلى هيوستن في الولايات المتحدة على متن طائرة تملكها ناسا، واتجه ميخائيل إلى روسيا، كما أضاف قائلا: «باتت الصداقة التي تجمعني بسكوت أكثر قوة».

الهدف الأساسي وراء هذه البعثة وما تحويه من دراسات وفحوصات هو إعداد وتجهيز رواد الفضاء جسديا وعقليا لرحلة وجهتها كوكب المريخ، والتي قد تستغرق أكثر من عام واحد. كما صرح كيلي في مؤتمر صحفي: «آعتقد أننا الآن سنعرف الكثير عن رحلات الفضاء الطويلة، وكيف لها في يوم من الأيام أن تأخذنا إلى المريخ».

ومن الجدير بالذكر أيضا أن رائد الفضاء الروسي فاليري بولياكوف لا يزال صاحب الرقم القياسي لأطول فترة قضاها إنسان في الفضاء، بقضائه 438 يوما في الفضاء عام 1994، وقد لا تنتهي الفحوصات قبل عام من الآن حتى يتمكن العلماء من دراسة عينات الدم والأنماط السلوكية دراسة مكثفة للتوصل إلى نتائج علمية دقيقة.

أما سكوت وميخائيل فهما يقضيان آوقاتهما بصحبة عائلاتهما مستمتعين بكل الأمور البسيطة التي افتقداها في عالم لم تعرف أجسادهما ولا أرواحهما فيه معنى للراحة والاستقرار في سبيل شد الرحال إلى وجهة ستغير مسار التقدم العلمي.. المريخ.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA

This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.